محمد بن الطيب الباقلاني

379

الإنتصار للقرآن

لا يقال : هذا الكتاب مروي على وجهين ونسختين لاختلاف وقع في كلمة فيه ، وإنّما يقال هذه المسألة فيه والكلمة تروى على وجهين ، فوجب بذلك أن تكون العادة في هذا الاستعمال على ما وصفناه . وقد زعم قوم أنّ معنى قول النبي صلى اللّه عليه وسلّم : « أنزل القرآن على سبعة أحرف » ، أنّه منزل على سبع لغات مختلفات ، وهذا أيضا باطل إن لم يرد باللغات الوجوه المختلفة التي يتكلّم بجميعها وتستعمل في اللغة الواحدة ، والدليل على فساد ذلك علمنا بأنّ لغة عمر بن الخطاب وهشام بن حكيم وأبيّ بن كعب وعبد اللّه بن مسعود وزيد بن ثابت كلّها لغة واحدة وإنّها ليست لغات متغايرة ، وهم مع ذلك قد تنافروا وتناكروا القراءة وخرجوا إلى ما قدّمنا ذكره ، ولو كانوا أيضا يتكلّمون بلغات مختلفة لم يكن ما بينهما من الاختلاف مع كونها لغة العرب ولسانها ، يوجب خروجهم إلى ما خرجوا إليه ، لأنّه لم يكن في تلك اللغات مستشنع ولا مستضعف مرذول / يجب [ 246 ] إنكاره وردّه . فوجب بذلك أن يكون ذلك الاختلاف في حروف ووجوه من القراءات أنزل القرآن عليها ، وإن كانت كلّها لغة قريش ومن جاورهم وقارئهم ، فوجب أن يكون التأويل ما نذهب إليه ، ومتى أقمنا الدليل على بطلان جميع هذه التأويلات صحّ ما قلناه من أنّ المعنيّ في الأحرف أنّها أوجه وقراءات ولغات مختلفة بالذي نذكره فيما بعد إن شاء اللّه . والذي يبيّن فساد جميع هذه التأويلات توقيف رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم على إباحة القراءة بجميع الأحرف السبعة وإطلاقه لذلك وإخباره بأنّه كذلك أنزل ، وقوله في غير خبر : « فاقرءوا كيف شئتم واقرءوا منه ما تيسّر » وإذا كان ذلك كذلك بطل قول من زعم أنّ معنى الأحرف أنّه حلال وحرام ووعد ووعيد